أحمد بن محمد ابن عربشاه

246

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ولم يزل بزرجمهر يراقب الأوقات ، وينظر في أحوال الساعات إلى أن استقام الطالع وزال من السعد المانع ، وتيمن الفأل وحسن البال وحال الوبال فتوجه بزرجمهر إلى خدمة مخدومه وأخبره بما كان مخفيا من أمر الخاتم في جيب مكتومه ، وأنه سقط من إصبعه وهو على البركة في موضعه ، فبادرت بطة إلى الغطة فاختطفته وابتلعته بعد ما التقمته فأحضروا البط جميعه وذبحوا من عرضه واحدة بديعة ، فوجدوا الخاتم في حشاها ولم تحوج إلى ذبح سواها ، ثم سأل كسرى الحكيم الأديب لم لم يخبره بهذا الأمر الغريب في أول وقوعه وصدوره وما موجب تأخيره . فقال : كان إذ ذاك الجدّ في انعكاس والسعد في انتكاس ، والطالع في سقوط والنجم في هبوط ، وأما الآن فالطالع استقام والسعد كالخادم أقام ، ونجم السعود قد حال عنه الهبوط والوبال ، وفي استقامة السعد وإقباله من بعد يفعل الشخص ما شاء فالدهر معه جار سواء جارى أو ماشى . وإنما أوردت هذا النظير ؛ لتعلم أن معاندة التقدير أمر خطير وخطب عسير ، فربما يفرغ الإنسان جهده في المبالغة ويكون الأمر فيه ممانعة ومراوغة ، فينعكس المرام ولم يحصل سوى إضاعة أيام ، ولم أذكر هذه المفاوضة إلا على سبيل العرض لا المعارضة ، لما أعلم منك من وفور الفضيلة وإن مقاصدك على كل حال جميلة . فقال أخو نهشل : الأمر كما زعمت وأشرت به ورسمت ، ولكن خشيت إن لم أبادر يسبقني عدوّ غادر ، أو حسود ماكر ، أو مبغض مكابر ؛ فينهى إلى المسامع ما ليس بواقع ، فلم نشعر أيها البطل إلا وقد ولج قلب الملك أنواع من مكر ودخل ، فيصير كما قيل : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكنا